عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
525
اللباب في علوم الكتاب
فإن قيل : هل يجوز أن يكون « المؤمنون » مبتدأ ، و « كلّ » تأكيد له ، و « آمن » [ خبر هذا ] المبتدأ ؟ فالجواب : أنّ ذلك لا يجوز ؛ لأنهم نصّوا على أنّ « كلّا » وأخواتها لا تقع تأكيدا للمعارف ، إلا مضافة لفظا لضمير الأول ، ولذلك ردّوا قول من قال : إنّ كلّا في قراءة من قرأ : إنا كلا فيها [ غافر : 48 ] تأكيد لاسم « إنّ » وقرأ « 1 » الأخوان هنا « وكتابه » بالإفراد ، والباقون بالجمع ، وفي سورة التحريم [ آية 12 ] قرأ أبو عمرو وحفص عن عاصم بالجمع ، والباقون بالإفراد ؛ فتلخّص من ذلك أنّ الأخوين يقرآن بالإفراد في الموضعين ، [ وأنّ أبا عمرو وحفصا يقرآن بالجمع في الموضعين ] ، وأنّ نافعا وابن كثير وابن عامر وأبا بكر عن عاصم قرءوا بالجمع هنا ، وبالإفراد في التحريم . فأمّا الإفراد ، فإنه يراد به الجنس ، لا كتاب واحد بعينه ، وعن ابن عبّاس - رضي اللّه عنه - : « الكتاب أكثر من الكتب » قال الزمخشريّ : فإن قلت : كيف يكون الواحد أكثر من الجمع ؟ قلت : لأنه إذا أريد بالواحد الجنس ، والجنسية قائمة في وحدات الجنس كلّها ، لم يخرج منه شيء ، وأمّا الجمع ، فلا يدخل تحته إلّا ما فيه الجنسية من الجموع . قال أبو حيان : « وليس كما ذكر ؛ لأنّ الجمع متى أضيف ، أو دخلته الألف واللام [ الجنسية ] ، صار عامّا ، ودلالة العامّ دلالة على كلّ فرد فرد ، فلو قال : « أعتقت عبيدي » ، لشمل ذلك كلّ عبد له ، ودلالة الجمع أظهر في العموم من الواحد ، سواء كانت فيه الألف واللام أو الإضافة ، بل لا يذهب إلى العموم في الواحد ، إلّا بقرينة لفظيّة ، كأن يستثنى منه أو يوصف بالجمع ؛ نحو : إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا [ العصر : 2 - 3 ] « أهلك النّاس الدّينار الصّفر والدّرهم البيض » أو قرينة معنوية ؛ نحو : « نيّة المؤمن أبلغ من عمله » وأقصى حاله : أن يكون مثل الجمع العامّ ، إذا أريد به العموم » . قال شهاب الدّين « 2 » : للناس خلاف في الجمع المحلّى بأل أو المضاف : هل عمومه بالنسبة إلى مراتب الجموع ، أم إلى أعمّ من ذلك ، وتحقيقه في علم الأصول . وقال الفارسيّ : هذا الإفراد ليس كإفراد المصادر ، وإن أريد بها الكثير ؛ كقوله تعالى : وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً [ الفرقان : 24 ] ولكنه كما تفرد الأسماء التي يراد بها الكثرة ، نحو : كثر الدّينار والدّرهم ، ومجيئها بالألف واللام أكثر من مجيئها مضافة ، ومن الإضافة : وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها [ إبراهيم : 34 ] وفي الحديث : « منعت العراق درهمها وقفيزها » « 3 » يراد به الكثير ، كما يراد بما فيه لام التعريف . قال أبو حيان : « انتهى
--> ( 1 ) يعني حمزة والكسائي ، وانظر : السبعة 195 ، 196 ، والكشف 1 / 323 ، والحجة 2 / 455 ، وحجة القراءات 152 ، 153 ، والعنوان 76 ، وشرح الطيبة 4 / 138 ، وشرح شعلة 307 ، وإعراب القراءات 1 / 106 ، وإتحاف 1 / 462 . ( 2 ) ينظر : الدر المصون 1 / 693 . ( 3 ) أخرجه مسلم ( 4 / 2220 ) كتاب الفتن : باب لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات ( 33 / 2896 ) وأبو داود -